الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة فـيـلم "مـسّ" لمحمد حسـيـن قـريّـع: عـنـدمـا تُـلـقي عـزلـة الكـورونـا بظـلالـها عـلـى الفـنـان

نشر في  24 جوان 2021  (20:54)

خلال شهر رمضان من سنة 2020، عندما فُرض الحجر الصحي الأوّل جرّاء انتشار فيروس كورونا في تونس، بادر الفنان محمد حسين قريّع بتصوير فيلم "مسّ" بمشاركة كلّ من الممثلين هيثم عاشور ونادية بوستة ومجموعة من التقنيين الذين سمحوا لهذا الفيلم بأن يكون شهادة، ولو روائية، عن عزلة الفنان آنذاك.

فقد انقطعت وقتها –بفعل التوقي من فيروس الكورونا- الرابطة التي تجمع الفنان بجمهوره. أُغلقت قاعات العرض ودور السينما والمسارح وجُلّ الفضاءات التي تسمح بتقديم الانتاجات الثقافية على مختلف أنواعها، كما عانى عديد الفنانين من عزلة خانقة أثّرت على نفسيّتهم، وهم الذين يبدعون من خلال تواصلهم مع المتفرجين والمشاهدين.

في ذاك الظرف، توّلدت فكرة الفيلم -"مسّ" كما عنونه قريّع- التي تروي قصة موسيقي دأب على تقديم عروض موسيقية الكترونية حيّة غير أنّه وجد نفسه محتجزا في بيته يعاني من وحدة قاتلة، فيطلب من امرأة تعرّف عليها عبر مواقع التواصل الاجتماعي السند والدعم غير أنّ نفسيته لم تعد تطيق مزيدا من العزلة.

يتوّفق الفيلم، وهو من انتاج شركة "كارابيلا"، في تجسيد هذا العالم المغلق الذي تتداخل فيه مفاهيم الوحدة والضياع ومحاولة المقاومة في ظلّ عدم توّفر امكانية العودة الى الحياة المعتادة بعنفوانها وحريّتها وتواصل أفرادها. حتى ظلّت الشخصيّة الرئيسية للفيلم رهينة هذا الضيق القاتل، مُتنفسها هذا الطرق الخفيف على الباب لكي تعدل عن وضع حدّ لحياتها، أو طيف هذه المرأة الذي يُهدي بارقة من الأمل.

يرسم قريّع من خلال هذه اللقطات حالة الهشاشة الداخلية التي أضحى يعيش على وقعها بطل الفيلم بعد أن فقدت الحياة محرّك احداثها ومعناها. وقال المخرج انّ فيلمه، وهو من النوع التجريبي سواء كان ذلك في الكتابة أو في الصورة، يطرح أسئلة أكثر من تقديم تأكيدات، فقد سعى الى استفسار خصوصيات الفضاء المعيشي للفنان وظرفه الابداعي. فكيف له أن يحافظ على طاقته الخلاّقة اذا ما ألقت عزلة الكورونا بظلالها على حياته، وكيف للمسرحي والموسيقي والراقص أن يشقّ طريق التعبير اذا ما كان مُكبّل الخطوات؟

في خضم هذه الحيرة والضياع، تُواجه الشخصية الرئيسية الكاميرا بسؤال يعكس مقدار فقدانها للأمل "ألا يقولون أنّ للموسيقى مزايا علاجية؟" كما لو لم يعد لهذه المقولة أي معنى! وكأنّ شيئا ما تجاوزه زمن الكورونا. فهل هي نهاية أقصوصة الحياة الماضية؟ بعض المبدعين راودتهم فكرة الانتحار من فرط عزلتهم ولكنّ لا أحد انتبه لهم أو استشعر ألمهم، بل انّ الهياكل الحكومية، في بعض الأحيان، زادت من احباطهم وعمّقت من هُمومهم بانعدام مبادرتها أو بقراراتها المجانبة لصواب المساندة. 

وقد اعتمدت الكاميرا في تصويرها للفضاء وللشخصيات، على نوع من "مسّ" جعلها تتماهى مع انعدام التوازن النفسي للبطل. فمرّة تُصوّره في اطاره الفضائي ومرّة أخرى تُصوّر ما يراه أو ما قد يتخيّله الى غاية الدُوّار النهائي الذي تنمحي فيه الصورة فاسحة المجال لدوران الاسطوانة، كشكل آخر وأخير من تواصل امكانية الوجود. نفس الشيء بالنسبة للسردية التي لم تستجب لمنطق تتالي الأحداث واحترام تسلسلها الزمني، بل سعت لصنع المعنى من خلال فكرة تعثّر ادراك البطل وتبعثر انسجامه الداخلي.

يعكس فيلم "مسّ" حالة من حالات الاحباط النفسي التي عانى وما زال يُعاني منها عديد الفنانين جرّاء انتشار فيروس كورونا وتراجع فضاءات العرض، ويكشف وجها من الهشاشة التي يعيشها الفنان عندما تُفرض عليه العزلة ولا يختارها. وقد يكون قريّع، بفيلمه هذا، وضع بطريقته حدّا لعزلته ولفريق التصوير الذي رافقه.

-قُدّم فيلم "مسّ" في اطار عرض ثاني في فضاء الارتيستو.

شيراز بن مراد